الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
178
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مثل الاكتساب والاختلاق . وليس لهذا المزيد فعل مجرّد بمعناه وإنّما المجرد هو عذر بمعنى قبل العذر . والعذر البيّنة والحالة التي يتنصل المحتج بها من تبعة أو ملام عند من يعتذر إليه . وقرأ يعقوب الْمُعَذِّرُونَ - بسكون العين وتخفيف الذال - ، من أعذر إذا بالغ في الاعتذار . والأعراب اسم جمع يقال في الواحد : أعرابي - بياء النسب - نسبة إلى اسم الجمع كما يقال مجوسي لواحد المجوس . وصيغة الأعراب من صيغ الجموع ولكنّه لم يكن جمعا لأنّه لا واحد له من لفظ جمعه فلذلك جعل اسم جمع . وهم سكان البادية . وأمّا قوله : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فهم الذين أعلنوا بالعصيان في أمر الخروج إلى الغزو من الأعراب أيضا كما ينبئ عنه السياق ، أي قعدوا دون اعتذار . فالقعود هو عدم الخروج إلى الغزو . وعلم أنّ المراد القعود دون اعتذار من مقابلته بقوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ . وجملة : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ عطف على جملة : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ وهذا فريق آخر من الأعراب خليط من مسلمين ومنافقين كَذَبُوا بالتخفيف ، أي كانوا كاذبين ، والمراد أنّهم كذبوا في الإيمان الذي أظهروه من قبل ، ويحتمل أنّهم كذبوا في وعدهم النصر ثم قعدوا دون اعتذار بحيث لم يكن تخلّفهم مترقّبا لأنّ الذين اعتذروا قد علم النبي - عليه الصلاة والسلام - أنّهم غير خارجين معه بخلاف الآخرين فكانوا محسوبين في جملة الجيش . وتخلّفهم أشدّ إضرار لأنّه قد يفلّ من حدّة كثير من الغزاة . وجملة : سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مستأنفة لابتداء وعيد . وضمير مِنْهُمْ يعود إلى المذكورين فهو شامل للذين كذبوا اللّه ورسوله ولمن كان عذره ناشئا عن نفاق وكذب . وتنكير عذاب للتهويل والمراد به عذاب جهنّم . [ 91 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 91 ] لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 )